أبي نعيم الأصبهاني

78

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

فلما وضعت في لحدها عج أهلها وبكوا . فقال : ما تبكون ؟ أما واللّه لو عاينوا ما عاين ميتهم ، لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم . وإن له فيهم لعودة ثم عودة حتى لا يبقى منهم أحدا . ثم قام فقال : أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي ضرب لكم الأمثال ، ووقت لكم الآجال ، وجعل لكم أسماعا تعى ما عناها ، وأبصارا لتجلوا عن غشاها ، وأفئدة تفهم ما دهاها ، في تركيب صورها وما أعمرها فإن اللّه لم يخلقكم عبثا ، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا ، بل أكرمكم بالنعم السوابغ ، وأرفدكم بأوفر الروافد ، وأحاط بكم الاحصاء ، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء . فاتقوا اللّه عباد اللّه وجدوا في الطلب ، وبادروا بالعمل مقطع النهمات ، وهادم اللذات . فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجائعها . غرور حائل ، وشبح فائل ، وسناد مائل يمضى مستطرفا ويردى مستردفا ، بانعاب شهواتها ، وختل تراضعها . اتعظوا عباد اللّه بالعبر ، واعتبروا بالآيات والأثر ، وازدجروا بالنذر ، وانتفعوا بالمواعظ . فكأن قد علقتكم مخالب المنية ، وضمكم بيت التراب ، ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصور ، وبعثرة القبور ، وسياقة المحشر ، وموقف الحساب ، بإحاطة قدرة الجبار . كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها . ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ، وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) فارتجت لذلك اليوم البلاد ، ونادى المناد ، وكان يوم التلاق ، وكشف عن ساق ، وكسفت الشمس ، وحشرت الوحوش ، مكان مواطن الحشر ، وبدت الأسرار ، وهلكت الأشرار ، وارتجت الأفئدة . فنزلت بأهل النار من اللّه سطوة مجيحة ، وعقوبة منيحة ، وبرزت الجحيم لها كلب ولجب ، وقصيف رعد ، وتغيظ ووعيد تأجج جحيمها ، وغلا حميمها . وتوقد سمومها . فلا ينفس خالدها ، ولا تنقطع حسراتها ، ولا يقصم كبولها . معهم ملائكة يبشرونهم بنزل من حميم ، وتصلية جحيم ، عن اللّه محجوبون ، ولأوليائه مفارقون ، وإلى النار منطلقون . عباد اللّه اتقوا اللّه تقية من كنع فخنع ، ووجل فرحل ، وحذر